السيد محمد تقي المدرسي

348

من هدى القرآن

به كل مؤمن ، بل كل إنسان عاقل مستطيع ، أما متى وكيف يتغير النظام الحاكم ، وينتصر أهل الحق على حزب الشيطان ، فإنه أمر يختص به رب العزة وما ينبغي لنا الإيمان به هو حكمته البالغة ، وبذلك نزداد صبرا واستقامة . وللآية عدة تفاسير أهمها وأقربها : الأول : أنها وعيد للكفار ، أي دعني وإياه فإني كافٍ له في عقابه ، كما يقول القائل : دعني وإياه ، وعن مقاتل : معناه : خلِّ بيني وبينه فأنا أفرد بهلكته ] « 1 » . الثاني : أنها إشارة إلى أصل خلقة الإنسان ، فمعناه : دعني ومن خلقته في بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد ] « 2 » ، شبيه قوله تعالى : « وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ » [ الأنعام : 94 ] ، وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أنه تعالى سوف يسلب منه ما أعطاه من النعيم ، فهو في الأصل كان وحيدا جاء إلى الدنيا لا شيء معه ، فَمَنَّ الله عليه بالأموال الممدودة والبنين الشهود . الثالث : أنها طعن في نسب الوليد بن المغيرة بصورة خاصة إذ كان مجهول الوالد ، فعن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إِنَّ الوَحِيْدَ وَلَدُ الزِّنَا ] « 3 » ، وقَالَ زُرَارَةُ ذُكِرَ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ أَحَدِ بَنِي هَاشِمٍ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَنَا ابْنُ الْوَحِيدِ ( يعني المتميز المنقطع عن النظير ، وهكذا كان هذا المخزومي يفتخر بالوليد الذي لعنه الله من فوق عرشه ) ، فَقَالَ - الباقر عليه السلام - : وَيْلَهُ لَوْ عَلِمَ مَا الوَحِيْدُ مَا فَخَرَ بِهَا ] فَقُلْنَا لَهُ وَمَا هُوَ ؟ ! . قَالَ عليه السلام : مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ ] « 4 » . وقيل معناه : دعني ومن خلقته متوحِّدا بخلقه لا شريك لي في خلقه ] . . هكذا في مجمع البيان والتفسير الكبير « 5 » ، وعن ابن عباس : كان الوليد يسمى الوحيد في قومه ] « 6 » ، قال الفخر الرازي : وكان يلقب بالوحيد ، وكان يقول : أنا الوحيد بن الوحيد ، ليس لي في العرب نظير ، ولا لأبي نظير ، فالمراد « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ » أعني « وَحِيداً » وطعن كثير من المتأخرين في هذا الوجه ، وقالوا : لا يجوز أن يصدِّقه الله في دعواه : أنه وحيد في هذه الأمور . . ذكر ذلك الواحدي ، والكشاف ، ورد عليه ثلاثة ردود ] « 7 » .

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 489 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 489 . ( 3 ) تفسير القمي : ج 2 ص 395 ، بحار الأنوار : ج 31 ، ص 108 . ( 4 ) بحارالأنوار : ج 30 ، ص 170 . ( 5 ) راجع : مجمع البيان : ج 10 ، ص 491 ، التفسير الكبير : ج 30 ، ص 198 . ( 6 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 491 . ( 7 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 198 .